النفير
06-17-2006, 03:56 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
الحمد لله الذي أوجب على عباده الدعوة إليه وأجزل المثوبة لمن صبر على الأذى فيه واتبع سبيل المؤمنين, والصلاة والسلام على سيدنا وقدوتنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين.
أما بعد,
فإن الدعوة إلى الله جل جلاله هي وظيفة الرسل وأتباعهم؛ من أجلها بعثهم الله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل, وقد علَّمهم الله تبارك وتعالى السبيل والطريقة الشرعية للدعوة إليه وحرَّم الابتداع فقال جل ذكره:" قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني" (يوسف:108).
وفقد اهتم المسلمون منذ بداية الدعوة الإسلامية إلى يومنا هذا بالدعوة إلى الله وكلٌ يدعو إلى الله على حسب علمه وطاقته ومجاله, فالعالِم يتصدر للتعليم والإفتاء حسب تخصصه والواعظ يشتغل بتذكير الناس, والمجاهد يكابد المشاق ويقارع الكفار ليوصل إليهم دعوة الإسلام نقية واضحة؛ مشَكِّلين بذلك حلقة متكاملة شعار كل واحد منهم " لن يؤتى الإسلام من قِبلِنا " وتعددت طرق الدعوة إلى الله ووسائلها بحسب كل عصر ومعطياته وظروفه فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
وفي العصر الحديث ابتلانا الله عز وجل بحُكَّام يشركون بالله في ربوبيته ويصرفون لأنفسهم صفة من صفاته عز وجل وهي التشريع, فبدلوا شرعه الذي كان يتحاكم إليه المسلمون منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ بدلوها بزبالة أفكار اليهود والنصارى لتكون هي الحكم وسموها القوانين وأنشؤوا لها مجالس تشريعية تسمى بالبرلمان أو مجلس الأمة أو مجلس الشعب أو مجلس الشورى وغيرها من مسميات, فتصدى لها فحول المسلمين منددين منكرين لهذا الأمر العظيم وأصدروا فتاواهم بحرمتها وبحرمة التحاكم إليها.
وقد رأت بعض الجماعات التي لا تتبنى الجهاد كوسيلة لحل هذه المشكلة أن من المصلحة دخول المجالس النيابية لمحاولة تطبيق الشريعة أو التخفيف من المفاسد. فبدأت هذه الجماعات بالدخول إلى الحياة الديموقراطية والعمل السياسي ومخالطة الملحدين والقعود معهم ومسايرتهم والقسم على احترام دساتير الشرك, والتنازل عن ثوابت الدين لمصلحة الدعوة - بزعمهم - ثم توالت بعدها الجماعات ولم تنجح أيٍ منها إلى الآن في تطبيق الشريعة ولن تنجح !
ويأتي هذا البحث لبيان أن العمل النيابي ليس حقلاً صالحاً للدعوة إلى الله بل هو مُشوِّهٌ لها وفيه مضيعة للدين والوقت من خلال الأدلة التاريخية والواقعية لا الشرعية لأن لذلك كتباً عنت بهذا الموضوع ككتاب (الإسلاميون وسراب الديمقراطية) للرَّحَّال .
بيان أن الحكومات العربية مؤمنة بالدساتير ولا تريد أن تطبق الشريعة الإسلامية:
قال عبد الله السالم الصباح أمير الكويت سابقاً:" نحمد الله العلي القدير الذي أتاح لنا في هذه المرحلة التاريخية من حياة شعبنا العزيز تحقيق أمنيتنا في وضع الدستور للبلاد يقوم على أسس ديموقراطية سليمة ويتفق مع عاداتنا ويتجاوب وآمال أمتنا. ونحن إذ نبارك اليوم هذه الخطوة ونصدر الدستور نشكر لكم جميعاً ما بذلتم من جهود مخلصة وما أظهرتم من روح الأخوة الصادقة أثناء عملكم".(1)
وقال جابر الأحمد الصباح:" ... لقد عاش الكويتيون منذ القدم في أجواء من الحرية, والتزموا الشورى, ومارسوا الديموقراطية في إطار دستورنا الذي ارتضيناه جميعاً".(2)
وقال أيضاً:" ... والكويت اليوم ككويت الأمس, جسر محبة ورسول سلام, والفرق أنها اليوم أعمق شعوراً بمعنى السلام وأعظم إيماناً بالنظام الدولي الجديد الذي يصون العدل ويحمي الحق ويسعى للخير" (3).
وقال أيضاً:" إن شعب الكويت عازم في ضوء تجربته على أن لا يتهاون في شيء من قيمه ومكاسبه, فالديموقراطية, وسيادة القانون, وحقوق الإنسان, وتمتع الجميع بالثروة, أسس نزداد بها تمسكاً لحياتنا المستقبلية" (4).
وقال أيضاً:" إن القانون وحده لا يحقق الآمال التي نتوخاها ما لم يشعر كل فرد منا, وكل مؤسسة, بواجبه في احترام الدستور وتنفيذه بحماس وإخلاص وذاتية, وإدراك بأن القانون يستهدف مصلحة المواطنين ومصلحة البلاد" (5).
وأخيراً قال:" لقد خطت البلاد في سنوات قليلة خطوات واسعة في شتى الميادين, وتوالت عليها من الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية ما كان له الأثر في تطوير حياتنا العامة وتغيير في ملامح المجتمع الذي ألفناه, فمن تعديل شامل لتشريعات البلاد ونظامها القضائي إلى استكمال لاستقلالها وسيادتها في الداخل والخارج, إلى دستور يساير نهضتها, ويصون الحريات ويكفل الاستقرار, وهكذا دخلنا معترك الحياة الديموقراطية والنيابية من أوسع باب" (6).
ففي هذه البيانات الصادرة من الأمير ومن قبله تتجلى إرادتهم وهي التمسك بالدستور وقوانينه والتفاخر به, وعدم وجود النية في تغييره إذ هو في نظرهم الحل المناسب لمشاكل الشعب وهو الذي يواكب العصر وتطوره, بل هم يعتقدون أن السياسة لا دخل لها بالدين وما كلمة أنور السادات " لا دين في السياسة " عنا ببعيد وهي تمثل قاعدة يتبعونها في حكمهم.
ولتأكيد هذا الأمر من خلال أفعالهم أيضاً فإن الإسلاميين قد طالبوا الأمير عدة مرات بتطبيق الشريعة وتغيير المادة الثانية من الدستور لتصبح " والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع" ولكن هذه المحاولات قوبلت بالرفض.
قال الدكتور عادل الطبطبائي أستاذ القانون العام في كلية الحقوق:" ويُلاحظ أنه جرت عدة محاولات لتعديل المادة الثانية من الدستور لتصبح " والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع " كان آخرها محاولتان جرتا خلال الفصل التشريعي الخامس, الأولى منهما عام 1980م عندما تقدم (26) عضواً باقتراح تعديل المادة الثانية, ولكن هذه المحاولة لم يُكتب لها النجاح بسبب عدم موافقة الأمير على الاقتراح من حيث المبدأ والموضوع.والمحاولة الثانية كانت عام 1984م عندما وقَّعَ (46) عضواً على اقتراح بتعديل المادة الثانية". (7)
فهاهو الأمير يرفض تعديل المادة القاضية بتحكيم شريعة الإسلام من حيث المبدأ والموضوع على الرغم من توقيع الأغلبية وهم 46 عضواً ! فماذا يترجى النواب الدعاة من هذه الأقوال والأفعال ؟!
أساليب الحكومات في التصدي للنواب المطالبين بتحكيم الشريعة:
هناك عدة طرق تتخذها الحكومات للإعراض عن مطالبات النواب بتحكيم الشريعة, منها:
حل المجلس:
لأمير البلاد الحق وفقاً للدستور في حل المجلس في أي وقت يريده ويعتبر هذا سلاحاً يستخدمه لمواجهة النواب المطالبين بتحكيم الشريعة خاصة إن كانوا أغلبية.
قال الدكتور عادل الطبطبائي:" تنص دساتير الدول البرلمانية عادة على حق الحل للسلطة التنفيذية لتوازن به حق البرلمان في تحريك المسؤولية السياسة للوزارة. والحل يكون رئاسياً: بمعنى وجود خلاف بين رئيس الدولة والبرلمان, ويلجأ بموجبه الأول إلى حل الثاني". (8)
وقال أيضاً:" يعتبر حق الحل من أخطر الاختصاصات السياسية التي تملكها الحكومة وتستعملها كسلاح في مواجهة المجلس. فهو لا يؤثر في جلسات المجلس عن طريق تأجيلها فقط, ولكنه ينهي العضوية بالنسبة لكافة أعضائه... وتنص المادة (107) من الدستور على أن (للأمير أن يحل مجلس الأمة بمرسوم تبين فيه أسباب الحل, على أنه لا يجوز حل المجلس لذات الأسباب مرة أخرى..." (9).
وبهذا الحق الدستوري يمكن للأمير أن يتهرب من تطبيق الشريعة, ولدينا تجربة تاريخية تشهد بذلك وهي التجربة الإندونيسية؛ فبعدما وصل الإسلاميون إلى الحكم قام الجنرال سوكارنو بحل حزب ماشومي, ثم حل البرلمان ! (10)
فإن قيل: إن الدستور لا يحل للأمير أن يحل المجلس مرة ثانية لذات الأسباب ! فأقول: هناك طرق أخرى غيرها سأبينها إن شاء الله.
ممارسة الضغوطات وتهديد مصالح المسلمين:
في حالة إصرار النواب على تحكيم الشريعة أو تطبيق قانون معين يوافق الشريعة أو منع أمر معين فيه مفسدة ولا ترضاه الحكومة؛ تلجأ الحكومة إلى تهديد النواب بتشريع قوانين جديدة تضر مصالح المسلمين, وأقرب مثال على ذلك قبل سنتين حينما هدد رئيس الوزراء صباح الأحمد بدمج كلية الشريعة والدراسات الإسلامية مع كلية الحقوق مما حدا بالإسلاميين إلى التوسل بالجرائد وهم الذين أعزهم الله بالإسلام.
وكذلك إزاحة أكشاك جمع التبرعات والصدقات والزكاة بحجج واهية.
ناهيك عن التهديد بمصالح النواب الشخصية من خلال شركاتهم ومناقصاتهم ومجلاتهم تارة, واستمالتهم بالأموال والمناصب تارة أخرى أو عدم قبول وساطتهم إن أرادوا أن يتوسطوا للمواطنين عند الوزراء فيوقعونهم في حرج بالغ أمام هؤلاء المواطنين الذين انتخبوهم فيخسر النواب هؤلاء المواطنين في الانتخابات القادمة, فكل هذه الوسائل في الضغط تجعلهم يُغَيِّرُون مواقفهم ويرضخون لإرادة الحكومة.
رفض المشروع:
جاء في كتاب النظام الدستوري في الكويت تحت عنوان (أسلوب عدم القبول للاقتراحات البرلمانية): بموجب هذا الأسلوب تضع بعض النصوص ميداناً لا يجوز فيه قبول الاقتراحات الصادرة من الأعضاء, بمعنى أنها تحرم على الأعضاء حق المبادرة في طرح بعض الموضوعات. فإذا ما أقدم أحد الأعضاء على تقديم اقتراح في أحد هذه الموضوعات كان للحكومة الحق بإعلان عدم قبوله.(11)
ثم قال:" وكذلك نص المادة (41) من الدستور (الفرنسي) والتي تنص على أنه (إذا تبين أثناء الإجراءات التشريعية أن اقتراحاً أو تعديلاً يخرج عن نطاق القانون أو يتعارض مع تفويض تشريعي منح بمقتضى المدة (38) فللحكومة أن تدفع بعدم قبوله " وقد توسع المجلس الدستوري الفرنسي كثيراً في تطبيق هذا الأسلوب حنى شملت الاقتراحات الخاصة بتعديل الدستور. (12).
وقد طبق هذا الأسلوب في الكويت حيث رفض الأمير تطبيق أحكام الشريعة ثماني مرات ! ومر بنا آنفاً ذكر محاولة النواب لتعديل المادة الثانية من الدستور إلى " والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع" وأن الأمير رفض هذا المشروع من حيث المبدأ والموضوع.
قال الدكتور عادل الطبطبائي أستاذ القانون العام في كلية الحقوق:" ويُلاحظ أنه جرت عدة محاولات لتعديل المادة الثانية من الدستور لتصبح " والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع " كان آخرها محاولتان جرتا خلال الفصل التشريعي الخامس, الأولى منهما عام 1980م عندما تقدم (26) عضواً باقتراح تعديل المادة الثانية, ولكن هذه المحاولة لم يُكتب لها النجاح بسبب عدم موافقة الأمير على الاقتراح من حيث المبدأ والموضوع.والمحاولة الثانية كانت عام 1984م عندما وقَّعَ (46) عضواً على اقتراح بتعديل المادة الثانية". (13).
وزبدة الموضوع أن هذه الحكومات الخبيثة قد وضعت دستوراً لا يمكن تغييره بالعمل السياسي ولا يعطي الحق للأعضاء بأن يغيروه وهذا هو الدليل:
إذا أراد الأعضاء تعديل الدستور فإنه يستلزم تصديق الأمير على هذا التعديل ولا يكفي أن يكون أغلبية الأعضاء موافقون.
قال الدكتور عادل الطبطبائي تحت عنوان حق التصديق في الدستور الكويتي: " ... فالمادة (174) من الدستور تحدد إجراءات تعديل الدستور, فإذا كان هناك اقتراح بتعديل الدستور, وجب أن يوافق عليه الأمير وأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس الأمة من حيث المبدأ ثم يناقش المجلس مشروع التعديل مادة مادة, وتشترط لإقراره موافقة ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس. ولكن التعديل لا يعتبر نهائياً إلا إذا صدَّق عليه الأمير وهذا ما نصب عليه صراحة المادة (174) بقولها: (... ولا يكون التنقيح نافذاً بعد ذلك إلا بعد تصديق الأمير عليه وإصداره, وذلك استثناء من حكم المادتين 65و 66 من هذا الدستور).
وأردف قائلاً:" ويتضح لنا من ذلك أن الدستور يجعل للأمير حق التصديق مطلق, بحيث إذا رفض الأمير, لأي سبب يراه , التصديق على مشروع التعديل, امتنع السبيل على مجلس الأمة للتغلب على اعتراضه هذا, أياً كانت الأغلبية المتحققة في المجلس, وأياً كان عدد المرات التي يصرفها على التعديل" (14)
فيا ليت شعري أين المصلحة في دخول هذه المصيدة ؟
التدخل العسكري أو الانقلاب:
استُخدمت هذه الطريقة في الجزائر حينما هدد الرئيس الفرنسي ميتران تهديداً مفاده أنه لو وصل حزب جبهة الإنقاذ (الأصوليين) إلى الحكم فسيتم التدخل العسكري لمنعهم !
واستخدمت أيضاً في تركيا حينما نجح نجم الدين أربكان في الوصول إلى رئاسة الحكومة حيث عمل الجيش انقلاباً عسكرياً ضده وصرَّح قائد الانقلاب بأن الجيش تدخَّل ليوقف المدَّ الإسلامي، وليوقف روح التعصب الإسلامي ! (15).
وتقف الدول الكبرى ضد أي حزب سياسي إسلامي يريد الوصول إلى الحكم وهذه بعض المقالات تكشف نواياهم وخططهم:
نقلت صحيفة القبس الكويتية في عددها الصادر في 20-4-1977م أي قبل أقل من شهرين من أجواء الانتخابات في 1-6-1977م عن صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" ما يلي: "إن احتمال نجاح أربكان في الانتخابات القريبة في تركيا يحدث قشعريرة وارتباكاً في الأوساط السياسية التركية وفي كواليس السفارات الغربية في تركيا، لأن أربكان يريد تحويل اتجاه تركيا عن الغرب والعودة بها من جديد إلى تراثها الإسلامي والشرقي".
ونقلت عن صحيفة " الايكونومست" البريطانية ما يلي: " إذا قُدِّر لحزب السلامة الوطني أن يفوز في الانتخابات القريبة في تركيا فإن الشيء المثير للقلق في الغرب هو أنه لا تزال إلى الآن فئات كبيرة من الشعب التركي لم تستطع هضم الإصلاحات التي جاء بها أتاتورك ".
ونقلت عن صحيفة " لوفيجارو " الفرنسية ما يلي " إن تركيا تقف على مفترق طرق، وينظر المراقبون الغربيون بقلق بالغ وبتشاؤم إلى مستقبل تركيا، حيث تشير التطورات فيها إلى بروز نزعة قومية يقودها حزب السلامة الوطني وزعيمه أربكان لاسترجاع تركيا لأمجاد الإمبراطورية العثمانية واستعادة أمجاد الإسلام" (16)
وأذكر أيضاً في باكستان حينما تم وضع دستور إسلامي سنة 1956 م من خلال حزب الجماعة الإسلامية وقع انقلاب عسكري وألغي الدستور ووضع دستور جديد عام 1962م لا يشتمل على أي من المواد الإسلامية التي سبق أن تم تبنيها (17).
يتبع ...
مقدمة:
الحمد لله الذي أوجب على عباده الدعوة إليه وأجزل المثوبة لمن صبر على الأذى فيه واتبع سبيل المؤمنين, والصلاة والسلام على سيدنا وقدوتنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين.
أما بعد,
فإن الدعوة إلى الله جل جلاله هي وظيفة الرسل وأتباعهم؛ من أجلها بعثهم الله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل, وقد علَّمهم الله تبارك وتعالى السبيل والطريقة الشرعية للدعوة إليه وحرَّم الابتداع فقال جل ذكره:" قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني" (يوسف:108).
وفقد اهتم المسلمون منذ بداية الدعوة الإسلامية إلى يومنا هذا بالدعوة إلى الله وكلٌ يدعو إلى الله على حسب علمه وطاقته ومجاله, فالعالِم يتصدر للتعليم والإفتاء حسب تخصصه والواعظ يشتغل بتذكير الناس, والمجاهد يكابد المشاق ويقارع الكفار ليوصل إليهم دعوة الإسلام نقية واضحة؛ مشَكِّلين بذلك حلقة متكاملة شعار كل واحد منهم " لن يؤتى الإسلام من قِبلِنا " وتعددت طرق الدعوة إلى الله ووسائلها بحسب كل عصر ومعطياته وظروفه فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
وفي العصر الحديث ابتلانا الله عز وجل بحُكَّام يشركون بالله في ربوبيته ويصرفون لأنفسهم صفة من صفاته عز وجل وهي التشريع, فبدلوا شرعه الذي كان يتحاكم إليه المسلمون منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ بدلوها بزبالة أفكار اليهود والنصارى لتكون هي الحكم وسموها القوانين وأنشؤوا لها مجالس تشريعية تسمى بالبرلمان أو مجلس الأمة أو مجلس الشعب أو مجلس الشورى وغيرها من مسميات, فتصدى لها فحول المسلمين منددين منكرين لهذا الأمر العظيم وأصدروا فتاواهم بحرمتها وبحرمة التحاكم إليها.
وقد رأت بعض الجماعات التي لا تتبنى الجهاد كوسيلة لحل هذه المشكلة أن من المصلحة دخول المجالس النيابية لمحاولة تطبيق الشريعة أو التخفيف من المفاسد. فبدأت هذه الجماعات بالدخول إلى الحياة الديموقراطية والعمل السياسي ومخالطة الملحدين والقعود معهم ومسايرتهم والقسم على احترام دساتير الشرك, والتنازل عن ثوابت الدين لمصلحة الدعوة - بزعمهم - ثم توالت بعدها الجماعات ولم تنجح أيٍ منها إلى الآن في تطبيق الشريعة ولن تنجح !
ويأتي هذا البحث لبيان أن العمل النيابي ليس حقلاً صالحاً للدعوة إلى الله بل هو مُشوِّهٌ لها وفيه مضيعة للدين والوقت من خلال الأدلة التاريخية والواقعية لا الشرعية لأن لذلك كتباً عنت بهذا الموضوع ككتاب (الإسلاميون وسراب الديمقراطية) للرَّحَّال .
بيان أن الحكومات العربية مؤمنة بالدساتير ولا تريد أن تطبق الشريعة الإسلامية:
قال عبد الله السالم الصباح أمير الكويت سابقاً:" نحمد الله العلي القدير الذي أتاح لنا في هذه المرحلة التاريخية من حياة شعبنا العزيز تحقيق أمنيتنا في وضع الدستور للبلاد يقوم على أسس ديموقراطية سليمة ويتفق مع عاداتنا ويتجاوب وآمال أمتنا. ونحن إذ نبارك اليوم هذه الخطوة ونصدر الدستور نشكر لكم جميعاً ما بذلتم من جهود مخلصة وما أظهرتم من روح الأخوة الصادقة أثناء عملكم".(1)
وقال جابر الأحمد الصباح:" ... لقد عاش الكويتيون منذ القدم في أجواء من الحرية, والتزموا الشورى, ومارسوا الديموقراطية في إطار دستورنا الذي ارتضيناه جميعاً".(2)
وقال أيضاً:" ... والكويت اليوم ككويت الأمس, جسر محبة ورسول سلام, والفرق أنها اليوم أعمق شعوراً بمعنى السلام وأعظم إيماناً بالنظام الدولي الجديد الذي يصون العدل ويحمي الحق ويسعى للخير" (3).
وقال أيضاً:" إن شعب الكويت عازم في ضوء تجربته على أن لا يتهاون في شيء من قيمه ومكاسبه, فالديموقراطية, وسيادة القانون, وحقوق الإنسان, وتمتع الجميع بالثروة, أسس نزداد بها تمسكاً لحياتنا المستقبلية" (4).
وقال أيضاً:" إن القانون وحده لا يحقق الآمال التي نتوخاها ما لم يشعر كل فرد منا, وكل مؤسسة, بواجبه في احترام الدستور وتنفيذه بحماس وإخلاص وذاتية, وإدراك بأن القانون يستهدف مصلحة المواطنين ومصلحة البلاد" (5).
وأخيراً قال:" لقد خطت البلاد في سنوات قليلة خطوات واسعة في شتى الميادين, وتوالت عليها من الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية ما كان له الأثر في تطوير حياتنا العامة وتغيير في ملامح المجتمع الذي ألفناه, فمن تعديل شامل لتشريعات البلاد ونظامها القضائي إلى استكمال لاستقلالها وسيادتها في الداخل والخارج, إلى دستور يساير نهضتها, ويصون الحريات ويكفل الاستقرار, وهكذا دخلنا معترك الحياة الديموقراطية والنيابية من أوسع باب" (6).
ففي هذه البيانات الصادرة من الأمير ومن قبله تتجلى إرادتهم وهي التمسك بالدستور وقوانينه والتفاخر به, وعدم وجود النية في تغييره إذ هو في نظرهم الحل المناسب لمشاكل الشعب وهو الذي يواكب العصر وتطوره, بل هم يعتقدون أن السياسة لا دخل لها بالدين وما كلمة أنور السادات " لا دين في السياسة " عنا ببعيد وهي تمثل قاعدة يتبعونها في حكمهم.
ولتأكيد هذا الأمر من خلال أفعالهم أيضاً فإن الإسلاميين قد طالبوا الأمير عدة مرات بتطبيق الشريعة وتغيير المادة الثانية من الدستور لتصبح " والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع" ولكن هذه المحاولات قوبلت بالرفض.
قال الدكتور عادل الطبطبائي أستاذ القانون العام في كلية الحقوق:" ويُلاحظ أنه جرت عدة محاولات لتعديل المادة الثانية من الدستور لتصبح " والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع " كان آخرها محاولتان جرتا خلال الفصل التشريعي الخامس, الأولى منهما عام 1980م عندما تقدم (26) عضواً باقتراح تعديل المادة الثانية, ولكن هذه المحاولة لم يُكتب لها النجاح بسبب عدم موافقة الأمير على الاقتراح من حيث المبدأ والموضوع.والمحاولة الثانية كانت عام 1984م عندما وقَّعَ (46) عضواً على اقتراح بتعديل المادة الثانية". (7)
فهاهو الأمير يرفض تعديل المادة القاضية بتحكيم شريعة الإسلام من حيث المبدأ والموضوع على الرغم من توقيع الأغلبية وهم 46 عضواً ! فماذا يترجى النواب الدعاة من هذه الأقوال والأفعال ؟!
أساليب الحكومات في التصدي للنواب المطالبين بتحكيم الشريعة:
هناك عدة طرق تتخذها الحكومات للإعراض عن مطالبات النواب بتحكيم الشريعة, منها:
حل المجلس:
لأمير البلاد الحق وفقاً للدستور في حل المجلس في أي وقت يريده ويعتبر هذا سلاحاً يستخدمه لمواجهة النواب المطالبين بتحكيم الشريعة خاصة إن كانوا أغلبية.
قال الدكتور عادل الطبطبائي:" تنص دساتير الدول البرلمانية عادة على حق الحل للسلطة التنفيذية لتوازن به حق البرلمان في تحريك المسؤولية السياسة للوزارة. والحل يكون رئاسياً: بمعنى وجود خلاف بين رئيس الدولة والبرلمان, ويلجأ بموجبه الأول إلى حل الثاني". (8)
وقال أيضاً:" يعتبر حق الحل من أخطر الاختصاصات السياسية التي تملكها الحكومة وتستعملها كسلاح في مواجهة المجلس. فهو لا يؤثر في جلسات المجلس عن طريق تأجيلها فقط, ولكنه ينهي العضوية بالنسبة لكافة أعضائه... وتنص المادة (107) من الدستور على أن (للأمير أن يحل مجلس الأمة بمرسوم تبين فيه أسباب الحل, على أنه لا يجوز حل المجلس لذات الأسباب مرة أخرى..." (9).
وبهذا الحق الدستوري يمكن للأمير أن يتهرب من تطبيق الشريعة, ولدينا تجربة تاريخية تشهد بذلك وهي التجربة الإندونيسية؛ فبعدما وصل الإسلاميون إلى الحكم قام الجنرال سوكارنو بحل حزب ماشومي, ثم حل البرلمان ! (10)
فإن قيل: إن الدستور لا يحل للأمير أن يحل المجلس مرة ثانية لذات الأسباب ! فأقول: هناك طرق أخرى غيرها سأبينها إن شاء الله.
ممارسة الضغوطات وتهديد مصالح المسلمين:
في حالة إصرار النواب على تحكيم الشريعة أو تطبيق قانون معين يوافق الشريعة أو منع أمر معين فيه مفسدة ولا ترضاه الحكومة؛ تلجأ الحكومة إلى تهديد النواب بتشريع قوانين جديدة تضر مصالح المسلمين, وأقرب مثال على ذلك قبل سنتين حينما هدد رئيس الوزراء صباح الأحمد بدمج كلية الشريعة والدراسات الإسلامية مع كلية الحقوق مما حدا بالإسلاميين إلى التوسل بالجرائد وهم الذين أعزهم الله بالإسلام.
وكذلك إزاحة أكشاك جمع التبرعات والصدقات والزكاة بحجج واهية.
ناهيك عن التهديد بمصالح النواب الشخصية من خلال شركاتهم ومناقصاتهم ومجلاتهم تارة, واستمالتهم بالأموال والمناصب تارة أخرى أو عدم قبول وساطتهم إن أرادوا أن يتوسطوا للمواطنين عند الوزراء فيوقعونهم في حرج بالغ أمام هؤلاء المواطنين الذين انتخبوهم فيخسر النواب هؤلاء المواطنين في الانتخابات القادمة, فكل هذه الوسائل في الضغط تجعلهم يُغَيِّرُون مواقفهم ويرضخون لإرادة الحكومة.
رفض المشروع:
جاء في كتاب النظام الدستوري في الكويت تحت عنوان (أسلوب عدم القبول للاقتراحات البرلمانية): بموجب هذا الأسلوب تضع بعض النصوص ميداناً لا يجوز فيه قبول الاقتراحات الصادرة من الأعضاء, بمعنى أنها تحرم على الأعضاء حق المبادرة في طرح بعض الموضوعات. فإذا ما أقدم أحد الأعضاء على تقديم اقتراح في أحد هذه الموضوعات كان للحكومة الحق بإعلان عدم قبوله.(11)
ثم قال:" وكذلك نص المادة (41) من الدستور (الفرنسي) والتي تنص على أنه (إذا تبين أثناء الإجراءات التشريعية أن اقتراحاً أو تعديلاً يخرج عن نطاق القانون أو يتعارض مع تفويض تشريعي منح بمقتضى المدة (38) فللحكومة أن تدفع بعدم قبوله " وقد توسع المجلس الدستوري الفرنسي كثيراً في تطبيق هذا الأسلوب حنى شملت الاقتراحات الخاصة بتعديل الدستور. (12).
وقد طبق هذا الأسلوب في الكويت حيث رفض الأمير تطبيق أحكام الشريعة ثماني مرات ! ومر بنا آنفاً ذكر محاولة النواب لتعديل المادة الثانية من الدستور إلى " والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع" وأن الأمير رفض هذا المشروع من حيث المبدأ والموضوع.
قال الدكتور عادل الطبطبائي أستاذ القانون العام في كلية الحقوق:" ويُلاحظ أنه جرت عدة محاولات لتعديل المادة الثانية من الدستور لتصبح " والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع " كان آخرها محاولتان جرتا خلال الفصل التشريعي الخامس, الأولى منهما عام 1980م عندما تقدم (26) عضواً باقتراح تعديل المادة الثانية, ولكن هذه المحاولة لم يُكتب لها النجاح بسبب عدم موافقة الأمير على الاقتراح من حيث المبدأ والموضوع.والمحاولة الثانية كانت عام 1984م عندما وقَّعَ (46) عضواً على اقتراح بتعديل المادة الثانية". (13).
وزبدة الموضوع أن هذه الحكومات الخبيثة قد وضعت دستوراً لا يمكن تغييره بالعمل السياسي ولا يعطي الحق للأعضاء بأن يغيروه وهذا هو الدليل:
إذا أراد الأعضاء تعديل الدستور فإنه يستلزم تصديق الأمير على هذا التعديل ولا يكفي أن يكون أغلبية الأعضاء موافقون.
قال الدكتور عادل الطبطبائي تحت عنوان حق التصديق في الدستور الكويتي: " ... فالمادة (174) من الدستور تحدد إجراءات تعديل الدستور, فإذا كان هناك اقتراح بتعديل الدستور, وجب أن يوافق عليه الأمير وأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس الأمة من حيث المبدأ ثم يناقش المجلس مشروع التعديل مادة مادة, وتشترط لإقراره موافقة ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس. ولكن التعديل لا يعتبر نهائياً إلا إذا صدَّق عليه الأمير وهذا ما نصب عليه صراحة المادة (174) بقولها: (... ولا يكون التنقيح نافذاً بعد ذلك إلا بعد تصديق الأمير عليه وإصداره, وذلك استثناء من حكم المادتين 65و 66 من هذا الدستور).
وأردف قائلاً:" ويتضح لنا من ذلك أن الدستور يجعل للأمير حق التصديق مطلق, بحيث إذا رفض الأمير, لأي سبب يراه , التصديق على مشروع التعديل, امتنع السبيل على مجلس الأمة للتغلب على اعتراضه هذا, أياً كانت الأغلبية المتحققة في المجلس, وأياً كان عدد المرات التي يصرفها على التعديل" (14)
فيا ليت شعري أين المصلحة في دخول هذه المصيدة ؟
التدخل العسكري أو الانقلاب:
استُخدمت هذه الطريقة في الجزائر حينما هدد الرئيس الفرنسي ميتران تهديداً مفاده أنه لو وصل حزب جبهة الإنقاذ (الأصوليين) إلى الحكم فسيتم التدخل العسكري لمنعهم !
واستخدمت أيضاً في تركيا حينما نجح نجم الدين أربكان في الوصول إلى رئاسة الحكومة حيث عمل الجيش انقلاباً عسكرياً ضده وصرَّح قائد الانقلاب بأن الجيش تدخَّل ليوقف المدَّ الإسلامي، وليوقف روح التعصب الإسلامي ! (15).
وتقف الدول الكبرى ضد أي حزب سياسي إسلامي يريد الوصول إلى الحكم وهذه بعض المقالات تكشف نواياهم وخططهم:
نقلت صحيفة القبس الكويتية في عددها الصادر في 20-4-1977م أي قبل أقل من شهرين من أجواء الانتخابات في 1-6-1977م عن صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" ما يلي: "إن احتمال نجاح أربكان في الانتخابات القريبة في تركيا يحدث قشعريرة وارتباكاً في الأوساط السياسية التركية وفي كواليس السفارات الغربية في تركيا، لأن أربكان يريد تحويل اتجاه تركيا عن الغرب والعودة بها من جديد إلى تراثها الإسلامي والشرقي".
ونقلت عن صحيفة " الايكونومست" البريطانية ما يلي: " إذا قُدِّر لحزب السلامة الوطني أن يفوز في الانتخابات القريبة في تركيا فإن الشيء المثير للقلق في الغرب هو أنه لا تزال إلى الآن فئات كبيرة من الشعب التركي لم تستطع هضم الإصلاحات التي جاء بها أتاتورك ".
ونقلت عن صحيفة " لوفيجارو " الفرنسية ما يلي " إن تركيا تقف على مفترق طرق، وينظر المراقبون الغربيون بقلق بالغ وبتشاؤم إلى مستقبل تركيا، حيث تشير التطورات فيها إلى بروز نزعة قومية يقودها حزب السلامة الوطني وزعيمه أربكان لاسترجاع تركيا لأمجاد الإمبراطورية العثمانية واستعادة أمجاد الإسلام" (16)
وأذكر أيضاً في باكستان حينما تم وضع دستور إسلامي سنة 1956 م من خلال حزب الجماعة الإسلامية وقع انقلاب عسكري وألغي الدستور ووضع دستور جديد عام 1962م لا يشتمل على أي من المواد الإسلامية التي سبق أن تم تبنيها (17).
يتبع ...